المقريزي

295

إمتاع الأسماع

كتاب الصلح فلما حضرت الدواة والصحيفة - بعد طول الكلام والمراجعة - دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوس بن خولي يكتب ، فقال سهيل : لا يكتب إلا ابن عمك علي ، أو عثمان بن عفان ، فأمر عليا فكتب ، فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : لا أعرف الرحمن ، اكتب ما نكتب ، باسمك اللهم . فضاق المسلمون من ذلك ، وقالوا : هو الرحمن ، والله ما نكتب إلا الرحمن . قال سهيل : إذا لا أقاضيه على شئ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب ، باسمك اللهم . هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك واتبعتك ، أفترغب عن اسمك واسم أبيك ، محمد بن عبد الله ؟ فضج المسلمون منها ضجة هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات ، وقام رجال يقولون : لا نكتب إلا محمد رسول الله ! وأخذ أسيد بن حضير وسعد بن عبادة رضي الله عنهما بيد الكاتب فأمسكاها وقالا : لا تكتب إلا محمد رسول الله ، وإلا فالسيف بيننا ، علام نعطى هذه الدنية في ديننا ؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم ويومئ إليهم بيده : اسكتوا . وجعل حويطب يتعجب مما يصنعون ، ويقول لمكرز : ما رأيت قوما أحوط لدينهم من هؤلاء ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا محمد بن عبد الله ، فاكتب . فكتب . نص كتاب الصلح " باسمك اللهم ، هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو ، اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين ، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض ، على أنه لا إسلال ولا إغلال ( 1 ) وأن بيننا عيبة مكفوفة . وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل ، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل ، وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه . وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه ، وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه ، ويدخل علينا من قابل في أصحابه فيقيم بها ثلاثا ، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر : السيوف في القرب " .

--> ( 1 ) الأسلال والإغلال : السرقة والخيانة . والعيبة : سبق شرحها ص 285 تعليق رقم ( 4 ) .